فوزي آل سيف

33

فقه العلاقات الاجتماعية

والإنصاف أن يقال : أنه لو تجردنا من كل ما سبق ولم ننظر إلى الأمر من خلال عوارضه وعناوينه الطارئة ، فإننا سوف نرى أن المعاشرة والانفتاح الاجتماعي هو المطلوب وهو الأولى دينيا ، وذلك لما نجده في التشريعات من التأكيد على أمور تنتهي إلى هذا التعارف ، والمعاشرة والانفتاح ، فإن أكثر العبادات مأخوذ فيها هذا الجانب ، كصلاة الجماعة والجمعة والعيدين ، والحج إلى بيت الله الحرام .وإفشاء السلام والبدء به ، وزيارة العلماء والصلحاء ، والندب إلى مساعدة الغير ونفعهم ، وفضيلة التعليم والتعلم[116] ، كل ذلك مما يلازم شيئاً من الاجتماع واللقاء والمعاشرة ، ولا يتيسر بالوحدة والعزلة ! بل ربما نفع الأصدقاء في الدنيا والآخرة ، كما يستفاد من حديث عن الإمام الصادق عليه السلام : : أكثروا من الأصدقاء في الدنيا فإنهم ينفعون في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فحوائج يقومون بها ، وأما في الآخرة فإن أهل جهنم قالوا : ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم )[117] . وعلى أي حال فقد كانت توجيهات الدين وقادته ، تؤكد على أصل الاجتماع واللقاء وتؤكد على العلاقة بطوائف نافعة بينما تحذر من إنشاء العلاقات غير الحسنة والقائمة على أسس باطلة . فقد روي عن المفضل بن عمر الجعفي ، قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي : من صحبك ؟ قلت له : رجل من إخواني . قال : فما فعل ؟ فقلت : منذ دخلت لم أعرف مكانه . فقال لي : أما علمت أن من صحب مؤمنا أربعين خطوة ، سأله الله عنه يوم القيامة [118]. وأكدت الروايات على أن يصاحب الإنسان ويصادق من ينفعه أو ينتفع به ، في الدنيا أو الآخرة ، إذ لا بد أن يكون في هذه الصداقة مضمون نافع ، للصديق أو المصادق ، في الدين أو الدنيا .. فمن الطوائف التي رغب في صحبتها : ـ من تكون صحبته زينة للمصاحب له ، فإن من الواضح أن في المجتمع طوائف تكون العلاقة معها سببا للعار والعيب ، وهناك طوائف صحبتها زينة وسمو ! يقول الإمام الحسن بن علي عليه السلام (وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك ) . ـ من يتكامل معك ، فيكمل نقصك لو حصل ويعينك وقت الحاجة وينفعك في الشدة ، ويستر عليك ما ينبغي ستره ، وخير كلمة جامعة في هذا الباب وصية الإمام الحسن لجنادة بن امية ، ( ..وإذا أردت معونة أعانك وإن قلت صدق قولك ، وإن صلت شد صولك ، وإن مددت يدك بفضل مدها ، وإن بدت عنك ثلمة سدها ، وإن رأى منك حسنة عدها ، وإن سألته أعطاك ، وإن سكت عنه ابتداك ، وإن نزلت إحدى الملمات به ساءك)[119]. ـ ويعبر الإمام علي عليه السلام عن حقيقة أنه لا بد أن تنتهي المقاييس في العلاقة مع الآخرين ، إما إلى جهة عقلية ونظرية وعلمية أو جهة سلوكية وعملية ، فإذا كان الطرف الآخر حائزا على إحدى الجهتين أو كليهما فبادر إلى العلاقة معه فإن : أكثر الصلاح والصواب في صحبة أولي النهى والألباب .. ولذا أمر عليه السلام بأن : صاحب الحكماء ، وجالس الحلماء ، وأعرض عن الدنيا ، تسكن جنة المأوى. ولذا يتعجب عليه السلام ممن تكثر صداقاته وعلاقاته ، ولكنها لا تكون هادفة ، مع أن المفروض أن الصداقة طريق لما بعدها ، وقيمتها إنما هي بمضمونها : عجبت لمن يرغب في التكثر من الأصحاب كيف لا يصحب العلماء الألباء الأتقياء الذين يغنم فضائلهم ، وتهديه علومهم ، وتزينه صحبتهم ؟ !

--> 116 ) شرح أصول الكافي 1/158 117 ) وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 12 - ص 17 118 ) الأمالي - الشيخ الطوسي - ص 413 119